الوصفات كآلات للسفر في الزمن
العلماء بيقولولنا دايمًا إن حاسة الشم هي الأقرب للذاكرة. بس لو أنت من الناس اللي بتحب الطبخ والأكل، مكنتش محتاج تقرا تقرير علمي عشان تعرف ده. أنت عارف الحقيقة دي أصلًا: مطابخنا هي آلات زمن حية وبتتنفس.

أنا مثلًا بيحصلي ده في اللحظة اللي بيلاقي فيها التوم الزبدة الساخنة في الطاسة. في ثانية واحدة، حيطان شقتي بتتلاشى. مبقاش بقى راشد بيفكر في الفلوس والمواعيد. بقيت تاني ابن سبع سنين قاعد على كرسي عالي في مطبخ جدتي. رجليا بتتدبدب جيه وجيه، والهوا ممتلي بريحة الطماطم اللي بتتغلي على نار هادية، وكل حاجة في الدنيا حاسس إنها آمنة ودافية.

إحنا مش بس بنورث وصفات من الناس اللي ربّونا؛ إحنا بنورث كبسولات زمنية. ورقة وصفة مكتوبة بإيد، فيها بقع فانيليا أو دهون من زمان، دي من أغلى الإرث اللي ممكن يمتلكه حد. فيها إيقاع إيدين حد تاني، وذوقه، ودفا كرمه وضيافته.

لما بنعيد عمل أكلات طفولتنا، إحنا مش بس بنعمل عشا. إحنا بنخلي جزء من تاريخنا يفضل حي. بنرجع الناس اللي حبّونا على التربيزة معانا، حتى لو هما بعيدين أو مش معانا في الدنيا دي.

الأكل عنده طريقة جميلة في تحدي الزمن. نفس الشوربة اللي كانت بتعزي أمك وهي صغيرة ممكن تبقى نفس الشوربة اللي بتعزي أولادك النهارده. فالمرة الجاية لما تعمل أكلة عيلية قديمة، خد لحظة قبل أول لقمة. قفل عينيك، استنشق البخار، وسيب نفسك تسافر في الزمن. دي بقعة جميلة تزورها.




